ابن عجيبة

521

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال ابن عباس : إنّ منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهوديّ إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم اختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فحكم لليهودي بالحق ؛ فلم يرض المنافق ، وقال : نتحاكم إلى عمر ، فقال اليهودي : نعم فذهبا إلى عمر رضي اللّه عنه فقال اليهودي : قضى لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يرض بقضائه وخاصم إليك . فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ . قال : نعم ، فقال : على رسلكما حتى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه فخرج ، فضرب به عنق المنافق حتى برد « 1 » ، وقال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء اللّه وسوله ، فنزلت الآية . . وقال جبريل عليه السّلام : إن عمر فرّق بين الحق والباطل . فسمى الفاروق . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ أي : بعضهم ، يَصُدُّونَ عَنْكَ غير راضين بحكمك صُدُوداً عظيما . فَكَيْفَ يكون حالهم إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ كقتل عمر المنافق ، بسبب ما قدمت أَيْدِيهِمْ من عدم الرضى بحكم اللّه ، ثُمَّ جاؤُكَ يطلبون ديّة صاحبهم ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا بالانصراف إلى عمر إِلَّا إِحْساناً منه بالخصمين ، وَتَوْفِيقاً بينهما ، قطعا للنزاع بينهما ، قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق ، فلا يغنى عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا ، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ، أي : عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم ، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، أي : خاليا بهم قَوْلًا بَلِيغاً يبلغ إلى قلوبهم ، ويؤثر فيهم ، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم ، وإنما أمر أن يعظهم خاليا بهم لأن النصح في ذلك أنجح ، وأقرب للقبول ، ولذلك قيل : من نصحك وحدك فقد نصحك ، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك . والله تعالى أعلم . الإشارة : كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية ، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه ، ويرضى بما قضى عليه ، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه ، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها ، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا . إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا ، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم ، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم ، ولو ذهب ماله كله . فإن كان ولا بد . فليوكل عنه في ذلك . فكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب ، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره ، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا إحسانا وهو حفظ مالنا ، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا ، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا ، . فإن تابوا فإن الله غفور رحيم .

--> ( 1 ) أي : مات .